الاثنين، 25 أكتوبر، 2010

منكوبى الخزان






1902 تاريخ بناء خزان اسوان ... ذلك الخزان الذى شرع حكام مصر العلويين (اسره محمد على ) فى بنائه بالأتفاق مع المحتل الأنجليزى من أجل حجز الفائض من مياه النيل خلفه للأستفاده منها للتوسع فى زراعة القطن لتشغيل مصانع النسيج بدولة الأحتلال .... ولم يشغلوا بالهم بمجرد التفكير فى مصير القرى الموجوده خلف المكان المقترح لبناء الخزان وماذا سيكون مصير أهالى تلك القرى بعد أرتفاع منسوب المياه خلف الخزان ذلك الأرتفاع الذى سيؤدى إلى غرق تلك القرى .... بل أنهم لم يحالوا تنبيه أهالى تلك القرى ..... وهذا أمر ليس بغريب على محتل غاشم لا يهمه سوى مصالحه الخاصه ومصالح أصحاب المصانع فى دولته غير مبالى او عابئ بمصالح مواطنى الدوله التى يحتل أراضيها ... المهم تم بناء الخزان وأرتفع منسوب المياه 106 متر خلفه لتغرق عشر قرى نوبيه بدون أى سابق انذار ويتمسك النوبيين بالبقاء فى اماكنهم التاريخيه ويعيدون بناء بيوتهم فى المرتفعة القريبه ... ولم يكادو يلتقطون انفاسهم من هول المأساه الأولى حتى يفاجئوا بقيام الدوله بتعلية الخزان 1912 ليصل منسوب المياه إلى أرتفاع 114متر لتتكرر المأساه ويتكرر اخرى القرى العشر ويضاف أليهم ثمانى قرى جديد ويكرر النوبيين ملحمة الصمود ويعدون البناء فى المناطق التى تعلوالمناطق الغارقه .... للمره الثالثه فى 1932 يتم تعلية الخزان للمره الثانيه ليصل منسوب المياه الى ارتفاع 121متر ويعاد أغراق القرى التى أغرقت من قبل اغراق كامل مكرر ويضاف اليها عشر قرى جديد .... وتغرق النوبه التاريخيه بشكل شبه كلى وتتحول النوبه إلى شريط ضيق على النيل لا يتعدى اتساعه عن مائتين يارده (حوالى182.880 متر تقريبا )* .... ولم ينجو من هذا البلاء إلا القرى النوبيه الواقعه فى أقصى الجنوب على حدود السودان وهى( أدندان – بلانه – قسطل – ابوسمبل ) ..... فتعالت اصوات النوبيين تصرخ وتستنجد من هول ما أصابهم وكثرت الشكاوى النوبيه والعرائض التى تستجدى الرحمه من الظلم الواقع وأنبرى ابناء النوبه المتعلمين فى الدفاع عن حقوق أهاليهم وظهر النواب النوبيين فى مجلس النواب يستصرخون على أمل أن يجدوا من يسمع شكواهم ..... ولكن لم يجدوا من ينصفهم وبل تعمدت الحكومات الملكيه المتعاقبه على ابخاسهم حقوقهم وعملت تلك الحكومات على أستصدار قوانين خاصه أقل ما توصف به هى انها قوانين مجحفه  لتعويض ( منكوبى الخزان ) وهو الأسم التى كانت المكاتبات الحكوميه تشير به إلى النوبيين ... فكانت التعويضات الهزيله التى تصرف طبقا لتلك الوانين المجحفه لا تغنى ولا تسمن من جوع بل أنها تبددت فى ايدى النوبيين سريعا .... وتسبب أغراق الأراضى وضعف التعويضات فى أجبار بعض النوبيين أن لم يكن أغلبهم فى الهجره إلى القاهره والمدن الكبرى بمصر بحثا عن أى فرصه للعمل لكسب بعض المبالغ القليله ليرسلها إلى ذويهم الموجودين فى بلادهم المنكوبه فى محاوله منهم لمساعدتهم على القدره على العيش وأنقاذهم من ويلات الفقر الذى أصابهم من جراء ما حدث ..... ولم يخلو منزل او عائله فى القرى النوبيه المنكوبه أنذاك من اغتراب أحد رجالها عن القريه للعمل بمدن مصر المختلفه ... بذلك بدأت أول فصول المأساه النوبيه .
والأن وبعد هذا العرض المبسط لمأساة النوبيين ومعاناتهم من جراء غرق معظم قراهم يتبادر إلى الذهن سؤالآ هاماً وهو ( أذا كان النوبيين قد تكبدوا كل تلك الأهوال من منذ مطلع القرن العشرين فلماذا يصرون على تحميل الحقبه الناصريه وتهجير 1964 كامل الذنب ؟)
ولن اطيل فى سرد الأسباب والمبررات للأجابه على هذا السؤال على الرغم من أحترامى لمغزاه ولكنى سأكتفى بأن اردد ما أجتمع على قوله أغلب كبار السن من النوبيين الذين عاصروا تلك الأحداث فقد قالوا ( أحنا كنا قبل التهجير بنروح نشتغل فى مصر ونتغرب عن اهالينا بس كل واحد فينا كان عارف جواه أنه لازم هيجى يوم ويرجع لأهله وبلده وناسه عشان يعيش اليوميين اللى باقين له فى الدنيا فى وسط أهله ويدفن جنب النيل فى ارض جدوده ... وبعد ما هجرونا باقينا عملين زى النخل اللى اتخلع من جذوره وما باقيناش عارفين لنا مكان .. وعشان كده ظلم التهجير كان اصعب علينا من كل اللى قبله) .
وهذا الكلام وعلى الرغم من بساطته فأنها يحمل الكثير من المعانى والأيماءات ولكنى أفضل أن أختم به هذا الجزء من الخواطر او(حديث النفس ) كما افضل أن أطلق عليه .


إرسال تعليق