الاثنين، 25 أكتوبر 2010

حقاً أنها ملحمه أنسانيه

         

لا  أعلم السبب الذى يجعل الأغلبيه ممن يتكلمون عن مأساة غرق القرى النوبيه يتجاهلون فى أحديثهم ملحمة النوبيين فى منطقه الشلال تلك المنطقه التى كانت تقع ما بين الجندل الأول وقرية دابود ..... وعلى الرغم من أن النوبيين فى تلك المنطقه هم أول من عانوا من الأهوال التى ترتبت على بناء الخزان وهم أول من هاجروا من النوبيين هربا من الغرق .... ولكن ومع كل ما عانوا منذ 1890 عند وضع حجر الأساس لمشروع الخزان وحتى اليوم .... فأنهم وللأسف يتعرضون للأهمال من الجميع ولا يتذكرهم أحد عند الحديث عن الحقوق النوبيه ...... وقبل الأسترسال فى الحديث يجب التعريف بتلك القرى المنسيه .
قبل بناء الخزان كانت القرى النوبيه الواقعه إلى الشمال من قريه دبواد وحتى الشلال (الجندل الأول ) تعرف بأسم الشلا ليه وتتكون من قرى (تنقار – شمه الواح – محضر خور توندى (كوندى) – اتمنى  - امشير – جبل شيشه – مرو تود) على ضفتى النيل وبالأضافه إلى ثلا ثه جزر هى ( جزيرة هيسا – جزيرة عواض – جزيرة بجا ) ...... وأدى القرب الشديد لتلك القرى من موقع الخزان الى غرقها غراقا كاملآ منذ البدء فى بناء الخزان .... ولم يكن أمام الأهالى ألا الهرب من الغرق فتمسكوا بالمرتفعات المحيطه ... ثم اضطروا مع الوقت للنزوح للأماكن الواقعه شما الخزان وأستقروا فى مناطق (غرب أسوان -الشلال - الجزيرة -عزبة العسكر -جزيرة أسوان - تنقار - جبل تقوق - بربر - نجع المحطة - عزبة المنشية -  جزيرة سهيل  -غرب سهيل - جزيرة هيسا  - منشية النوبة- البيجه- عزبة الحدود -الكرور- أراشكول -المسي تود ) ..... ومنهم من نزح  داخل مدينه اسوان فى مناطق (الحصايا - جزيرة عواض - الشيخ هارون ـ السيل – الخزان)
..... والغريب هو اهمال الحكومات المتعاقبه منذ بناء الخزان وحتى الأن لأهالى تلك القرى النوبيه على وجه الخصوص .... فلم تشملهم تعويضات بناء الخزان وذلك بسبب أن لجان حصر ممتلكات منكوبى الخزان شكلت بعد بناء الخزان غرق كامل أرضى تلك القرى تحت مياه الخزان فتم أهمال تعويضات النوبيين بتلك القرى لعدم أمكانية حصر ممتلكاتهم الغارقه .....  والأغراب هو قيام الحكومات المتعاقبه منذ مطلع القرن العشرين وحتى الأن بأنشاء الكثير من المشاريع التنمويه بمدينه اسوان وأهمال  اهالى تلك القرى أهمالآ  كليا فلم يفكر أحد فى مجرد شق ترعه بهذه القرى لمساعدة الأهلى على الزراعه التى اضطروا إلى هجرها بسبب صعوبه الأرضى التى اضطروا إلى النزوح إليها .... فالمنطقه مازالت حتى اليوم تفتقر أى نوع من الخدمات الأنسانيه البسيطه فلا توجد رعايه طبيه بأغلب تلك القرى فسكان جزيرة هيسا مثلا  مازالوا حتى يومنا هذا يعيشون بدون كهرباء أو مرافق او أى خدمات .... ولكن ذلك الأهمال لم يفت فى عزم نوبييو تلك القرى بلا  زادهم اصرارنا على ان يتشبثوا بما تبقى لهم من أرث الأجداد .... ليعيشوا إلى يوماً هذا وهم يسطرون ملحمه انسانيه يتعمد الجميع أغفالها عند الحديث عن الهموم النوبيه ..... والمضحك المبكى فى الأمر أن الدوله تتعامل معهم طوال الوقت على أنهم واضع يدى على أملاك الدوله وليس اصحاب حق أصيل فى الأراضى التى يقيمون بها ... وحتى عندما فكرت الدوله العام الماضى فى تقنين اوضعهم وتمكينهم من تملك أراضيهم بأعتبارهم من متضررى خزان أسوان ... تم وضع شرط متعسف لأتمام هذا التقنين هو ( أنه لن يتم تمليك الأراضى ألا  لمن يملك سندات ملكيه للأراضى القديمه التى غرقت ) .... وهو شرط مستحيل تحققه لسبب بسيط هو أن مصلحه الشهر العقارى وتوثيق الملكيه اسست عام 1904 وأراضيهم غرقت منذ بداية مشروع انشاء الخزان الذى أفتتح عام 1902 ... بمعنى أنه عند تأسيس الشهر العقارى كانت اراضى تلك القرى مغموره كليا بمياه الخزان ...... ويا ليت الأمر أقتصر على ذلك بل زاد الأمر بلاء وهماً على جموع النوبيين بتلك القرى ما ظهر أخيراً من مطامع لدى بعض مدعى الأستثمار فيأتى أحد نهابى البلد من منتسبى لجنة السياسات بالحزب الفاسد ليحاول أنشاء مشروع ( بورتو أسوان) فى منطقه غرب اسوان بل ويحصل على موافقه مبدئيه من محافظ اسوان على المشروع وبدون أدنى أعتبار لما تحويه المنطقه من أثار تاريخيه لم يكشف النقاب على اغلبها أو وجود أناس يعيشون بتلك المنطقه ....  والغريب أن من تصدى لذلك المشروع هم المرشدين الساحيين المصريين والأجانب العاملين بأسوان ومعهم بعض علماء الأثارالغير حكوميين (طبعا) ليجبروا (هيئه الأثار المصريه) على رفض المشروع ..... وما كاد الناس يهدأون على اثر رفض مشروع ( بورتو أسوان) حتى فوجئوا فى نفس العام بظهور مشروع جديد لأنشاء قريه سياحيه فوق الهضبه المطله على قرية غرب سهيل فى نفس المكان الذى يستخدمه ابناء القريه لتأخير الخيول والجمال للسائحيين الأجانب وتقوم الحياه فى غرب سهيل على تلك المهنه بعد ان تعثر على الأهلى الزراعه بسبب سوء الأراضى وايضا بعد أن قامت هيئه العامه للسد وخزان أسوان بمنعهم عن مزاوله الصيد ورفض اعطائهم تصاريح صيد على اساس انهم واضعى يد على أراضى الدوله فلم يبقى ألا  العمل على تأخير الخيل والجمال للسائحين الأجانب ليستطيع العيش ....ليأتى هذا المشروع ليقضى ليستولى على الاراضى التى يستخدموها لمزاولة تلك المهنه ..... وأكثر ما يثير الأسى والحسره هو أن صاحب المشروع الجديد رجل أعمال نوبى ..... نعم للأسف نوبى ..... ولكن مدى كان لرأس المال أنتماء أو وطن .... فأدعياء الأستثماروطنهم وهو رصيدهم البنكى وأنتمائهم هو لمن يزيد ذلك الرصيد ..... ولا يبالون بأى قيم بخلا ف مصالحهم الشخصيه ....  ولم يٌوقف المشروع إلا  شجاعة اهالى غرب سهيل وتمسكهم بحقهم فقد ثاروا على المحافظ أثناء حضوره مؤتمر جماهيرى بغرب أسوان ورددوا الهتافات المعاديه له والرافضه للمشروع وهددوا بتصعيد الأمر فأطضر المحافظ على سحب موافقته التى سبق ومنحها للمشروع وأرجع البعض ذلك إلى خشية المحافظ من الدخول فى صراع جديد مع النوبيين وخاصة مع ما كانت تشهده تلك الفتره من صراعات قائمه بين المحافظ والنوبيين حول توطين متضررى السد العالى بأماكنهم القديمه .... ولكن إلى متى سيستطيع أهالى القرى النوبيه بأسوان الصمود أمام أطماع جحافل المماليك الجدد من مدعى الأستثمار الذين يستندون إلى ما يربطهم من صلات وعلاقات فاسده بدوائر الحكم الفاسد ؟
كانت تلك نبذه صغيره عن ملحمه أنسانيه عظيمه نسيها الجميع وأهملها الكل وأمل ان تكون تلك مجرد بدايه لسرد اكثر تعمق ودراسه لتلك الملحمه الأنسانيه .

إرسال تعليق